الشيخ محمد رشيد رضا

427

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ثم وصف هؤلاء الظالمين بقوله الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً تقدم أن صد يصد يجيء لازما بمعنى يعرض ويمتنع عن الشيء ومتعديا بمعنى يصد غيره ويصرفه عنه ، وان الايجاز في مثل هذا التعبير يقتضي الجمع بينهما - أي الذين يعرضون عن سلوك سبيل اللّه الموصلة إلى مرضاته وكرامته وثوابه ويضلون الناس عنها ، ويمنعونهم من سلوكها ، ويبغونها معوجة أو ذات عوج أي غير مستوية ولا مستقيمة حتى لا يسلكها أحد قال في اللسان : والعوج بالتحريك مصدر قولك عوج الشيء بالكسر فهو أعوج والاسم العوج بكسر العين ، وعوج يعوج إذا عطف ، والعوج في الأرض أن لا تستوي ، وفي التنزيل ( لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ) قال ابن الأثير قد تكرر ذكر العوج في الحديث اسما وفعلا ومصدرا وفاعلا ومفعولا وهو بفتح العين مختص بكل شكل مرئي كالأجسام وبالكسر بما ليس بمرئي كالرأي والقول ، وقيل الكسر يقال فيهما معا والأول أكثر ( ثم قال ) وعوج الطريق وعوجه زيغه وعوج الدين والخلق فساده وميله على المثل ، اه وقال الراغب إن العوج ( بالتحريك ) يقال فيما يدرك بالبصر والعوج ( بكسر ففتح ) يقال فيما يدرك بالفكر والبصيرة كالدين والمعاش وأما بغي الظالمين - أي طلبهم - أن تكون سبيل اللّه عوجا أي غير مستوية ولا مستقيمة فيكون على صور شتى فأصحاب الظلم العظيم - وهو الشرك - يشوبون التوحيد بشوائب كثيرة من الوثنية أعمها الشرك في العبادة ومخها الدعاء فلا يتوجهون فيه إلى اللّه وحده بل يشركون معه في التوجه والدعاء غيره على أنه شفيع عنده وواسطة لديه أو وسيلة اليه ( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ * حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ * دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) بل منهم من يتوجهون إلى غيره توا ويدعونه من دونه ولا سيما عند الضيق والشدة فلا يخطر ببالهم ربهم ولا يذكرونه ولكنهم إذا انكر عليهم منكر يتأولون فيقول العامي : المحسوب كالمنسوب ، الواسطة لا تنكر ، ويقول المعمم دعي العلم : هذا توسل واستشفاع ، لا عبادة ولا دعاء ، وكرامات الأولياء حق خلافا للمعتزلة والأولياء أحياء في قبورهم كالشهداء . وقد فندنا دعواهم مرارا